محمد خليل المرادي

210

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

ثم لم يزل يتنقّل إلى أن صارت له رتبة ابتداء التمشلي في دمشق . وأعطي قضاء جبلة على طريق الأربلق ، بسعي وهمّة من المولى إسحاق منلاجق‌زاده ، قاضي العساكر في روم إيلي ، لكون المترجم من أخصائه ومنسوبيه . وتولّى بدمشق القسمة العسكرية ، ونيابة محكمة الباب مرارا . وفي آخر أمره ترك ذلك ، ولازم العالم الشيخ عمر البغدادي نزيل دمشق ، وتلمذ له وأخذ عنه وقرأ عليه التصوّف ، وحضره في التفسير وغيره ، إلى أن مات . وكان رحمه اللّه إذا حضر بمجلس يبدي الحكايات المستظرفة والنكات اللطيفة . وبالجملة فقد كان من الأفاضل والأدباء . وله شعر حسن ، فمن ذلك قوله مشطّرا قصيدة العارف باللّه محمّد بن إسرائيل الدمشقيّ ، ومطلعها : غنّها باسم من إليه سراها * كي تراها تطير في مسراها واذكر المنزل الشريف لديها * تغن عن حثّها وحذب براها ثم عدها عيون حمزة وردا * تعد شوقا إلى شفاء جواها فلديها تلك المناهل تروي * فهي تشفي لا ماء صدى صداها طالعات من الثنايا سراعا * تتهادى والشوق قد أنضاها ليس تثني عن المنازل عزما * لو تبدّى لها الردى ما ثناها ناجيات من المفاوز نصبا * ناصبات آذانها لحداها قد أماطت أزمّة الصّبر عنها * والمطايا نجاتها في نجاها جاعلات ريف الشآم وراء * منذ شامت من طيبة أضواها وترامت تفلي الفيافي شوقا * حين أمّت من الحجاز هواها قد وصلن الهجير والآل قصدا * قاطعات من الغرام كراها ثم واصلن يومها بالليالي * وهجرن الظلال والأمواها كلّما خفن في القفار ضلالا * حفّها النور فاهتدت بسراها وإذا ضلّت المفاوز يوما * لاح برق من طيبة فهداها حيث نور الهدى يلوح سناه * ورياح الندى يفوح شذاها أيّها الظاعنون دعوة صبّ * صبّ دمعا والعين قد أجراها قد أضرّ البعاد فيه وهذي * نفسه كثّر الخطايا خطاها كم تمنّت لقاء تلك المغاني * فالأماني للنفس ما تهواها